خلال فعاليات اليوم الثاني للدورة الأولى لأيام مزغان للسينما، تم عرض ومناقشة فيلم “مذكرات” لمخرجه محمد الشريف الطريبق ، فيلم روائي طويل يروي قصة حب سرّي بين شاب وشابة في ظرف اجتماعي محافظ، حيث تتداخل مذكرات شخصية مع أحداث مأساوية ما يجعل الحب والذكريات مرآةً للطابوهات والرقابة الاجتماعية في ذلك الزمن.
أجواء العرض:
تفاعل الجمهور مع الفيلم بشكل كبير، خصوصاً الشباب، الذين وجدوا أنفسهم مندمجين مع سرد المذكرات وتقلبات الأحداث، ما خلق جواً من الحميمية والاهتمام.
النقاش بعد العرض:
تناول النقاش الذي أطّره السيناريست والأستاذ في مهن السينما محمد حافظي بحضور مخرج الفيلم محمد الشريف الطريبق، (تناول) الرمزية الفنية للفيلم، أسلوب السرد الزمني، وكيفية استخدام المونتاج لإبراز الذكريات. كما تم استعراض الأبعاد النفسية التي تناولها الفيلم وتأثيرها على المتلقي.
قراءة نقدية:
1. البنية السردية
يختار الطريبق أن يقدّم فيلمه من خلال بنية اعترافية: مذكّرات مكتوبة تتحوّل إلى شريط سينمائي حيّ، حيث تكشف البطلة أسرارها وتجاربها الخاصة. هذا الشكل يمنح السرد طابعاً شخصياً وذاتياً، لكنه في الوقت نفسه يطرح أسئلة جماعية حول القيود التي تفرضها التقاليد والرقابة الاجتماعية.
الفيلم يتحرك بين الماضي والحاضر عبر ومضات سردية وأحداث متقطعة، في بناء يشبه شذرات الذاكرة، مما يجعله أقرب إلى كتابة شخصية حميمة منه إلى سرد خطّي تقليدي.
2. الموضوعات المحورية
الحب المحاصر: العلاقة السرّية بين الشابين ترمز إلى هشاشة الحرية الفردية في مجتمع محافظ.
الجسد والرقابة: حضور العنف الجنسي وانتهاك الخصوصية يعكس التوتر بين الرغبة والقيود الاجتماعية.
الذاكرة كسجن: المذكرات ليست مجرد استرجاع، بل محاكمة للماضي وللخيارات التي لم تُعش كما ينبغي.
من خلال هذه الموضوعات، يكشف الفيلم عن تصدعات المجتمع المغربي، حيث تظل الحريات الفردية موضوعاً هشّاً وملتبساً.
3. الإخراج واللغة البصرية
الطريبق يوظّف كاميرا حميمة قريبة من وجوه الشخصيات، وكأنها تتلصص على اعترافاتها. الإضاءة تميل إلى العتمة والظلال، مما يضفي جواً من الكتمان والسرّية، في انسجام مع طبيعة الحكاية.
اختياراته البصرية تمنح الفيلم مسحة من الواقعية الشاعرية، حيث تتقاطع اليوميات العادية مع ثقل المواضيع الكبرى (الحب، العنف، الحرية).
4. الأداء التمثيلي
الممثلة أنيسة العناية قدّمت أداءً لافتاً، قائمًا على الانفعال الداخلي أكثر من الانفعالات الخارجية. لقد جعلت من شخصية هدى مرآةً للهشاشة والقوة في آن واحد. الممثلون الآخرون دعّموا بدورهم البناء النفسي للشخصيات، دون السقوط في الميلودراما.
5. الإيقاع والمونتاج
الإيقاع متأمل، يميل إلى البطء أحياناً، لكنه يفتح المجال للمشاهد للتوغل في العوالم الداخلية للشخصيات. المونتاج ينسجم مع تقنية المذكرات، حيث التقطيع لا يخضع دوماً للمنطق السردي، بل للمنطق الشعوري والذهني.
6. البعد الفكري والجمالي
الفيلم ليس مجرد قصة حب مأساوية، بل هو مرآة نقدية لزمن يقيّد الحريات الفردية، ويمارس سلطته على الجسد والذاكرة معاً. بهذا المعنى، ينتمي مذكّرات إلى سينما المؤلف المغربية التي تسعى إلى مساءلة المجتمع والإنسان، أكثر من مجرد الترفيه.
الخلاصة
يأتي فيلم مذكّرات ليؤكد من جديد خصوصية سينما محمد الشريف الطريبق: سينما شاعرية، جريئة، وقلقة، تنبني على همّ فكري وإنساني عميق. العمل قد لا يكون سهلاً في تلقيه بالنسبة للجمهور الباحث عن الترفيه، لكنه بلا شك يثبّت مكانة الطريبق كأحد الأصوات السينمائية المغربية الأكثر أصالة وجرأة في طرق أبواب المسكوت عنه













