خلال اختتام فعاليات أيام مزغان للسينما، تم عرض ومناقشة فيلم “404.01” لمخرجه يونس الركاب وسيناريو محمد حافظي، وهو عمل سينمائي تجريبي يمزج بين الواقع الافتراضي والبعد الواقعي، مستعرضاً تجربة أمينة، طبيبة أعصاب شابة، تجد حياتها تنقلب رأساً على عقب عندما تلتقط عبر تردد إذاعي غامض (404.01) صوتاً من المستقبل يطلب منها تنفيذ أوامر غريبة. سرعان ما تجد نفسها متهمة بجريمة قتل، بين تحقيقات الشرطة، وشكوك الماضي، وصوت غامض يهدد حاضرها ومستقبلها..
أجواء العرض
أبدى الحضور، خصوصاً الشباب المهتمين بالتقنيات الرقمية والسينما التجريبية، تفاعلاً كبيراً مع الفيلم. كما لاحظ المؤطرون اهتمام الجمهور بالتفاصيل البصرية، الرمزية المستخدمة، والحوار بين الواقع والخيال، مما أدى إلى نقاش ثري بعد انتهاء العرض.
النقاش بعد العرض
بعد عرض الفيلم، أطّر مناقشته الناقد عبد الرحيم الراوي بحضور مخرج الفيلم يونس الركاب وكاتبه السيناريست محمد حافظي، تناول النقاش محاور متعددة، منها: استخدام التقنية الرقمية كعنصر سردي، تأثير التكنولوجيا على تجربة الإنسان، والأسلوب التجريبي في السينما الحديثة. كما ركز الحوار على الرمزية والفلسفة التي يقف خلفها الفيلم، وكيفية قراءة الأحداث بطريقة نقدية، ما حفّز المشاركين على التفكير خارج الإطار التقليدي للعرض السينمائي.
قراءة نقدية:
1. المقدمة وتأطير العمل
يُعدّ 404.01 تجربة مهمّة في السينما المغربية، باعتباره من أوّل الأفلام التي تغتنم عنصر الخيال العلمي/المستقبلي ضمن الإنتاج المحلي بشكلٍ واضح.
المخرج يونس الركاب، الذي سبق له أن قدّم عدة أفلام في سينما اليوميّات الاجتماعية، يغامر هنا في إطار سردي جديد تقنيًا وفكريًا، معتمداً على فكرة الصوت القادم من المستقبل وفرضيته الغامضة.
2. الفكرة والمحاور الموضوعية
الفيلم يطرح عدة محاور مهمة:
القدر والمصير مقابل حرية الاختيار: صوتٌ من المستقبل يُخاطب بطلة الفيلم (أمينة)، ويطلب منها تنفيذ مهام تُعرّضها لقرارات أخلاقية صعبة؛ هذا التداخل بين ما هو مقدَّر وما هو اختيار فردي يخلق توتّراً جذاباً.
الهوية المهنية والشخصية: طبيبة جراحة، طموحة ومثقفة، وجانب من حياتها الشخصي مكشوف أمام تأثيرات المستقبل، العمل، العلاقات، والذكريات.
التكنولوجيا والخيال العلمي كأدوات نقدية: ليس من أجل المؤثرات فقط، بل كآليات لطرح الأسئلة الأخلاقية: ما معنى أن تعرف ما سيحدث؟ ما مدى مسؤوليتك تجاه ما يُطلب منك؟ وكيف تتجاوز الضغوط النفسية والاجتماعية الناتجة؟
السياق الاجتماعي المغربي: الفيلم لا يعيش في معزل؛ الطابع المغربي الحضري، العلاقات الاجتماعية، الوضع المهني، الضغوط الواقعية، كل ذلك يُحضر كخلفية تُثري الصراع الداخلي للشخصية.
3. البناء السردي والأسلوب الفني
السرد والتشويق: يعتمد الفيلم على عنصر المفاجأة أو الغموض المُدبّر، مع صوت مجهول من المستقبل يُغيّر مسار الأمور. هذا يسمح بخلق تشويق نفسي يُبقي المشاهد في حالة انتظار لمعرفة الحقيقة.
الإيقاع: من الملاحظ أن هناك رغبة في الحفاظ على وتيرة متوسطة إلى بطيئة في بعض الفترات، لإعطاء المشاهد الوقت للتفكير والتشكيك، قبل تصاعد الأحداث نحو المواجهة.
البُعد البصري والموسيقي: يعمل المخرج على استخدام الإضاءة الموجهة، التصوير الحضري الحديث، والموسيقى التي تُحرّك الحالة النفسية للشخصية، كجزء من بناء الجوّ. هذه العناصر تجعل من الفضاء الزماني (الحاضر/المستقبل) ملموسًا، وتساعد في نقل التوتر الداخلي.
4. الأداء والتمثيل
حسناء المومني في دور أمينة تُعتبر اختيارًا مركزيًا مهمًا، فهي تُجسّد طبيبة تجمع بين البعد المهني والثقافي والنفسي، ويُطلب منها أن تتنوع في أبعاد الشخصية: الطموح، الخوف، الحيرة، المواجهة. المعلومات تشير إلى أن ذلك الأداء لاقى اهتمام الجمهور والنقاد في العرض المسبق.
الممثلون الآخرون مثل عبد اللطيف شوقي وناصر أقباب وآخرين يقدّمون شخصيات داعمة تُثري الخط الدرامي، خاصّة في المشاهد التي تجمع التحقيقات والأسرار.
5. نقاط القوة
الابتكار النوعي: استخدام الخيال العلمي في السياق المغربي يمكن أن يكون نقطة جذب قويّة، خاصة إذا تمت معالجته بجدية وعمق.
التوازن بين القلق النفسي والإثارة: المزج بين الغموض، الرسائل الصوتية، الهواجس الأخلاقية يجعل الفيلم أكثر من مجرد تَسلية؛ بل يُثير تفكيرًا حول المستقبل والحياة المهنية والإنسانية.
الجو والمزاج: التصميم البصري، الإضاءة، المواقع، الصوت، والموسيقى كلها مكونات تخرج العمل من النمطية إلى تجربة سينمائية ذات بعد نفسي.
6.البعد الفكري والجمالي
الفيلم يدعو إلى التفكير في السؤال الأخلاقي: هل واجب الطبيب يتوقف عند الأطر المعروفة أم يمتد إلى ما هو متوقّع من المستقبل؟
كذلك هناك تساءل حول التكنولوجيا والراديو والتواصل الزمني، والتأثيرات النفسية للمعرفة المسبقة، والمفهوم الصادم لمسؤولية الفرد أمام مستقبل لا يختاره، لكنه يُخبر به.
على المستوى الجمالي، الفيلم يُراهن على التفاصيل: الصوت المُرعب أو الغامض، الموسيقى التي تضيف ازعاجًا نفسياً، التصوير الذي قد يستخدم المدينة كمشهد مرآة للمستقبل والتحولات.
الخاتمة
404.01 فيلم طموح، يُمثّل محاولة مهمة في السينما المغربية لدخول نوع الخيال العلمي والمستقبلي بشكل جدّي، لا كمجرد زينة. المخرج يونس الركاب يعرض، عبر شخصية أمينة، صراعًا إنسانيًا بين ما هو ممكن وما هو مطلوب، بين المعرفة المسبقة والحرية، بين الضغوط التقنية والمهنية والأخلاقية.

















